أحمد بن محمد ابن عربشاه

448

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والمسارعون إلى نيل المرادات والأمنية ، على فرق شتى ، وأنا أفصلها حتما ، منهم من يبلغ الآمال بقوة الجند وبذل الأموال ، ومنهم من يساعده الدهر ويعاضده معاون العصر ، وينهض له مسعد التقدير فيقوم معه كل كبير وصغير ، كما قيل : وإذا أراد اللّه نصرة عبده * كانت له أعداؤه أنصارا فيقيض له المساعد ، ويعضده المقارب والمباعد ، فلا يحتاج إلى كبير سعى ، ولا في استماع النصيحة ونفعها إلى وعى ، بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وجده ، فمهما فعل أنجح ومهما قصد أفلح ، وحيثما توجه أربح ، وأينما مال أرجح ، ومنهم من يحتاج إلى جهد جهيد ، وسعى مديد وكدّ طويل عريض ، وجدّ عريض غير غريض ، مع مساعد ناصح ومعاون صالح ، وتعاطى أسباب وقرع أبواب ، وفكر دقيق ومسعد رفيق ، حتى يبلغ مراده ويصل إلى ما أراده ، ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع وشدة الحرص والهلع ، فيسارع إلى نيل ما يرومه ، فيلقيه في هوة الحرمان حرصه وشومه ، فيقع من التعب والنصب في هوه ، ويحرم لكونه اعتمد على ماله من حول وقوة ، فيصير كما قيل : الحرص فوتنى دهري فوائده * وكلما زدت حرصا زاد تفويتا ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ، ويرجو ويترقب ويتساهل ، فيحرم مقصده ويرد عجزه عن مراده يده ، وقد قيل في المثل : تزوج التوانى بنت الكسل فأولد الزوجان الفقر والحرمان ، فانظر يا ذا الركون والوقار والسكون نحن من أي هذه الفرق نكون ، وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ، ولا أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من عقاب ، فإنه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ، ونحن إذا تحركنا في الهوا فلا نقدر أن نرتفع عن وجه الثرى ، وقد قيل في المثل كما ترى : أين الثريا من الثرى ، وقيل : من تعلق بخصم